أخر الأخبار

اطلبوا النهضة ولو كانت في الصين

كتب أشرف كريم: قبل أن تطأ قدماك أرض الصين، تتشكل في ذهنك صورة نمطية طالما رددتها الكتب ووسائل الإعلام، دولة عملاقة لا تعرف سوى المصانع وخطوط الإنتاج والدخان المتصاعد من المداخن، وكأنها ورشة صناعية مفتوحة على مدار الساعة، لكن هذه الصورة تتلاشى منذ اللحظة الأولى، التي تصل فيها إلى المدن الصينية، لتكتشف أنك أمام تجربة حضارية متكاملة، نجحت في تحويل التنمية إلى أسلوب حياة، والتكنولوجيا إلى ثقافة يومية، والتخطيط طويل الأمد إلى هوية وطنية.

 

الصين اليوم ليست مجرد مصنع العالم، بل مشروع نهضة متكامل يقدم دروساً عملية للدول الساعية إلى بناء مستقبلها، وفي مقدمتها دول الشرق الأوسط التي تبحث عن نماذج ناجحة تجمع بين التنمية والاستقرار.

يكمن سر التجربة الصينية في أن كل مدينة تمتلك شخصيتها الاقتصادية والثقافية الخاصة، فلا توجد مدينة تشبه الأخرى، ولا مشروع يتكرر بصورة عشوائية.

ففي بكين، العاصمة السياسية والعلمية، يبدو المستقبل وكأنه حاضر يعيش بين الناس، شوارع واسعة، بنية تحتية ذكية، انتشار واسع للسيارات الكهربائية، محطات شحن في معظم الأحياء، واعتماد متزايد على الطاقة النظيفة التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

كما تحتضن العاصمة أكبر الجامعات ومراكز البحث العلمي وشركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، لتتحول إلى مركز عالمي للابتكار، وليس مجرد مدينة لإدارة شؤون الدولة.

أما في منطقة نينغشيا ذاتية الحكم، وبالتحديد مدينة ينتشوان، فتظهر ملامح أخرى من القوة الصينية، فالمدينة أصبحت البوابة الأهم للعلاقات العربية الصينية، وتستضيف بشكل دوري معرض الصين والدول العربية، الذي يجمع الحكومات ورجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين، في خطوة تعكس اهتمام بكين بتعزيز حضورها في العالم العربي.

ويعيش في نينغشيا عدد كبير من المسلمين من قومية هوي، لذلك تنتشر المساجد والمطاعم الحلال واللافتات العربية، حتى يشعر الزائر العربي بأنه قريب من بيئته وثقافته، في تجربة نادرة تجمع بين الحداثة واحترام التنوع الديني والثقافي.

ولا تقتصر أهمية ينتشوان على العلاقات العربية، بل أصبحت أيضاً واحدة من أهم قواعد الإنتاج الإعلامي والدرامي في الصين، ففيها مدينة ضخمة للإنتاج السينمائي والتلفزيوني تستقطب عشرات الأعمال التاريخية والدرامية سنوياً، إلى جانب احتضانها مهرجانات وفعاليات ثقافية وسياحية، تجعلها مركزاً نابضاً بالحياة على مدار العام.

ورغم ضخامة المدن الصينية وتسارع إيقاع الحياة فيها، فإن أكثر ما يلفت انتباه الزائر هو طبيعة الشعب الصيني، فالابتسامة حاضرة، والاحترام متبادل، والاستعداد للمساعدة يظهر في كل موقف، كثير من الصينيين، رغم اختلاف اللغة، يحاولون استخدام تطبيقات الترجمة أو لغة الإشارة لمساعدة الزائر، وهو ما يعكس ثقافة مجتمعية قائمة على احترام الإنسان والضيف، ويترك انطباعاً إيجابياً يصعب نسيانه.

ولعل أكثر ما يثير الإعجاب هو أن هذا التطور لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تخطيط استمر لعقود، فالصين أعلنت عام 2021، القضاء على الفقر المدقع بعد انتشال نحو 100 مليون شخص من الفقر خلال ثمانية أعوام، وهو إنجاز وصفته الأمم المتحدة بأنه أكبر عملية لمكافحة الفقر في التاريخ الحديث، كما تمتلك البلاد اليوم أكبر شبكة قطارات فائقة السرعة في العالم، يتجاوز طولها 48 ألف كيلومتر، تربط معظم المدن الكبرى بسرعة تصل إلى 350 كيلومترا في الساعة، لتختصر ساعات السفر إلى دقائق.

أما شبكة مترو الأنفاق، فقد أصبحت واحدة من أعظم شبكات النقل الحضري على مستوى العالم، إذ تضم الصين أكثر من 60 مدينة تمتلك مترو حديثاً، فيما يتجاوز إجمالي أطوال الشبكات 12 ألف كيلومتر، يستخدمها عشرات الملايين من الركاب يومياً، ما يجعل النقل العام جزءاً أساسياً من جودة الحياة وتقليل الازدحام والانبعاثات الكربونية.

وفي قطاع السيارات الكهربائية، أصبحت الصين المنتج الأول عالمياً، وتقود التحول نحو الطاقة النظيفة من خلال شركات محلية تنافس كبرى الشركات العالمية، مدعومة بسياسات حكومية شجعت الابتكار والاستثمار في الصناعات المستقبلية، ولم يعد استخدام المركبات الكهربائية مشهداً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية في معظم المدن الصينية.

إن ما يجعل التجربة الصينية ملهمة ليس حجم الاقتصاد أو عدد السكان فحسب، وإنما قدرتها على تحويل الرؤية إلى واقع، فكل مشروع يبدأ بخطة واضحة، وكل مدينة تعرف دورها، وكل مؤسسة تعمل ضمن هدف وطني طويل الأمد، لهذا استطاعت الصين أن تنتقل خلال أربعة عقود من دولة نامية إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأن تقدم نموذجا يؤكد أن التنمية ليست حلماً بعيد المنال، بل ثمرة للإدارة الرشيدة والاستثمار في الإنسان والعلم والتكنولوجيا.

ولذلك، فإن دول الشرق الأوسط لا تحتاج إلى استنساخ التجربة الصينية بحذافيرها، بل إلى استلهام فلسفتها في التخطيط، واحترام الوقت، وربط التعليم بالاقتصاد، والاستثمار في البنية التحتية والابتكار، فنهضة الصين لم تبن على الموارد وحدها، بل على الإرادة والانضباط والعمل المتواصل.

ومن يزور هذا البلد يدرك أن الصين لم تعد مجرد مصنع للعالم، بل أصبحت مدرسة عالمية في صناعة المستقبل، وتجربة تستحق أن تدرس وأن يستفاد منها في رسم ملامح الغد.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى