أخر الأخبار

التشريعات روح الدولة لا مجرد نصوص

كتبت سوسن الجزراوي: لا تُشخَّص الأمم العظيمة بأنها تلك التي تكثر فيها القوانين، بل تلك التي تتحول فيها العدالة إلى ثقافة، والمساواة إلى نص دستوري ثابت، حينها يغدو القانون فيها مرآة لضمير المجتمع لا أداةً لإدارة شؤونه فحسب.

 

فالتشريعات الرصينة التي تضع خدمة الإنسان هدفاً أسمى لها، ليست أوراقاً تحفظ في الأرشيف تحت رقم وعدد، ولا مواد قانونية تُستحضر عند النزاعات فقط يتلوها المحامي بلا مشاعر، وإنما هي التعبير الأصدق عن فلسفة الدولة في إدارة الحياة، وعن رؤيتها للإنسان كونه محور التنمية وغاية الاستقرار.

ومنذ أن أدرك الإنسان كيف يعيش في مجتمعات كبيرة، أدرك أن بقاء (المجتمعات) لا يتحقق بالقوة وحدها، ولا بالوفرة الاقتصادية أو التقدم العلمي فحسب، بل بمنظومة تشريعية عادلة توازن بين الحقوق والواجبات، وتضع الجميع تحت مظلة قانون واحد لا يعرف التمييز ولا الكيل بمكيالين، فكل حضارة ازدهرت كانت قد سبقتها منظومة قانونية راسخة، وكل مجتمع تراجع كان السبب في ذلك هو الخلل في تشريعاته أو في تطبيقها.

إن التشريعات الحياتية تمثل اليوم العمود الفقري للدولة الحديثة ولأي دولة تحترم ذاتها ومواطنيها، لأنها الإطار الذي تنتظم داخله العلاقات بين الأفراد والمؤسسات، وتُدار عبره مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهي لا تنظم حياة الناس حسب، بل تصنع حالة من الاطمئنان العام، إذ يشعر المواطن أن حقوقه مصانة، وأن واجباته واضحة، وأن المرجعية التي يحتكم إليها الجميع واحدة لا تتغير بتغير الأشخاص أو المصالح.

غير أن قيمة التشريع لا تُقاس بعدد القوانين التي تُسن، وإنما بقدرته على ملامسة الواقع والتعرف على كل دقيقة فيه، والاستجابة لتحولاته، وتحقيق العدالة التي يشعر بها الناس في حياتهم اليومية، فكثير من النصوص القانونية تبدو متقنة من الناحية الفنية، وقد يشعر من يقرأها أنها ستكون خطوة لتحولات رائعة، إلا أنها تفقد قيمتها عندما تنفصل عن احتياجات المجتمع أو تعجز عن مواكبة التطورات المتسارعة، لذلك فإن التشريع الناجح هو الذي يجمع بين الثبات في المبادئ والمرونة في الوسائل والتطبيق، بحيث يحافظ على استقرار المجتمع دون أن يقف عائقاً أمام تطوره.

واليوم وأمام التحولات العالمية المتسارعة، اتسعت دائرة التشريعات لتشمل مجالات لم تكن مطروحة قبل عقود قليلة، مثل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، والأمن السيبراني، والبيئة، والتجارة الإلكترونية، فضلاً عن تطوير التشريعات المتعلقة بالصحة والتعليم والعمل والاستثمار والأسرة.

من هنا، فإن القانون لم يعد مجرد وسيلة لضبط المخالفات، بل أصبح أداة استراتيجية لإدارة التنمية وصناعة المستقبل، ولا يمكن لأي منظومة تشريعية أن تحقق أهدافها إذا غابت عنها العدالة، فالعدالة ليست نتيجة للتشريع، بل هي روحه، وهي التي تمنحه الشرعية الأخلاقية قبل أن يكتسب القوة القانونية.

لذلك، يوقن المواطن أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء، وتتعزز ثقته بمؤسسات الدولة، فتتراجع مظاهر الفساد والمحسوبية، ويتحول احترام القانون إلى سلوك حضاري نابع من القناعة، لا من الخوف من العقوبة.

من زاوية أخرى، فإن البيئة التشريعية المستقرة تشكل أحد أهم عناصر جذب الاستثمار وتحريك عجلة الاقتصاد وازدهار السياحة بكل أشكالها، فلا يمكن لأي مشروع اقتصادي أن يزدهر في ظل قوانين متضاربة أو إجراءات متقلبة تفتقر إلى الوضوح.

فالمستثمر يبحث قبل رأس المال عن الاستقرار القانوني، لأنه الضمان الأقوى لمصالحه، وعن قضاء نزيه يحفظ الحقوق، وإدارة كفوءة تطبق النصوص بعدالة وشفافية، ولهذا فإن الإصلاح التشريعي يعد في كثير من الدول نقطة الانطلاق الحقيقية نحو التنمية المستدامة، في المقابل، فإن التشريعات، مهما بلغت من الجودة، لا تستطيع تحقيق أهدافها إذا بقيت حبيسة النصوص، فنجاحها يتوقف على حسن التطبيق، واستقلال القضاء، وكفاءة المؤسسات التنفيذية، وانتشار الثقافة القانونية بين المواطنين، فالقانون الذي لا يجد من يحترمه أو يطبقه بعدالة يفقد هيبته تدريجياً، وتتحول نصوصه إلى حبر على ورق، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة المجتمع بالدولة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة التشريعات بصورة دورية، لأن المجتمع لا يعرف الجمود، بل يتغير باستمرار بفعل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، ومن ثم فإن تحديث القوانين ينبغي أن يكون عملية مؤسسية قائمة على الدراسات العلمية والحوار مع المختصين، بعيداً عن الارتجال أو الاستجابة لضغوط ظرفية، فالتشريع الرشيد لا يلاحق المشكلات بعد وقوعها فقط، بل يستشرف المستقبل ويهيئ له الأطر القانونية المناسبة.

إن بناء الدولة لا يبدأ من الأبنية الشاهقة ولا من الأرقام الاقتصادية وحدها، بل يبدأ من احترام القانون وسيادته، فحين تكون التشريعات عادلة، واضحة، وقابلة للتطبيق، فإنها تصنع مجتمعاً مستقراً، واقتصاداً أكثر قدرة على النمو، ومؤسسات أكثر كفاءة، وإنساناً أكثر شعوراً بالكرامة والانتماء.

وملخصاً لكل ما تقدم، تبقى التشريعات الحياتية الركيزة التي تستند إليها الدول في مسيرتها نحو التقدم، لأنها ليست قيوداً تحد من حرية الإنسان، بل ضمانات تحمي تلك الحرية، وتمنحها إطاراً يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، فالدولة التي تجعل من القانون سيداً على الجميع، وتجعل من العدالة منهجاً عملياً لا مجرد شعارات، هي وحدها القادرة على بناء مجتمع متماسك، ومؤسسات راسخة، ومستقبل يليق بأجيالها القادمة، فالأمم تُخلَّد بإنجازاتها، لكنها تُحترم بعدالة قوانينها، وتبقى قوية ما بقي القانون فيها فوق الجميع.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى