أخر الأخبار

طريق التنمية.. العقدة ليست في الطريق

كتب د. كاظم العقابي: منذ الإعلان عن مشروع طريق التنمية، أنصب اهتمام الرأي العام على الطريق الممتد من ميناء الفاو الكبير إلى الحدود العراقية – التركية بطول يقارب (1200) كيلومتر، وما يتضمنه من سكك حديد وطرق سريعة ومناطق صناعية ومراكز لوجستية.

 

وقد جرى الحديث كثيراً عن كلفته، ومراحله التنفيذية، وعوائده الاقتصادية، حتى أصبح المشروع يوصف بأنه مشروع القرن بالنسبة للعراق، غير أن معظم هذا النقاش ركز على البنية التحتية، بينما بقي السؤال الأكثر أهمية بعيداً عن دائرة الاهتمام.

إن الطريق، مهما بلغت مواصفاته الفنية، لا يمثل سوى وسيلة لنقل البضائع، أما القيمة الاقتصادية الحقيقية فتتحقق عند نقطة العبور الدولية، حيث تختبر كفاءة الدولة، وسرعة إجراءاتها، وقدرتها على إدارة التجارة العابرة للحدود.

ومن هنا أرى أن العقدة الحقيقية ليست في الطريق نفسه، وإنما في المنفذ الحدودي الذي سينتهي إليه هذا المشروع، لقد أتيحت لي عام 2018 فرصة رئاسة اللجنة الحكومية المكلفة بإعداد دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية لافتتاح منفذ فيشخابور/ أوفكوي، ولم تقتصر الدراسة على الجوانب الهندسية أو الاقتصادية، بل شملت دراسة البعد الإقليمي للمشروع وإمكانات تحويل العراق إلى ممر تجاري يربط الخليج بتركيا وأوروبا، من خلال التواصل مع عدد من دول الجوار واستطلاع استعدادها لاستخدام الأراضي العراقية ممراً للتجارة العابرة.

وكانت المؤشرات مشجعة، إذ أبدت أكثر من دولة اهتمامها باستخدام هذا الممر متى ما توفرت له مقومات النجاح، إلا أن المشروع واجه في حينه عقبة جوهرية لم تكن فنية ولا مالية، بل كانت تتعلق بآلية إدارة المنفذ الحدودي، فقد كان من بين الأسباب الرئيسة التي حالت دون افتتاح منفذ فيشخابور/ أوفكوي، عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الجهة التي تتولى إدارة المنفذ، إذ تمسكت حكومة إقليم كردستان بإدارته باعتباره يقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة دهوك، في حين كانت الحكومة الاتحادية تنطلق من أن إدارة المنافذ الحدودية التي تمثل بوابات التجارة الخارجية للدولة ترتبط بالاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.

ويستند هذا التوجه إلى أحكام الدستور، ولا سيما المادة (110)، التي منحت السلطات الاتحادية اختصاصات حصرية في رسم السياسة التجارية الخارجية، وتنظيم التجارة عبر الحدود، وهي اختصاصات لا يمكن ممارستها بصورة متكاملة ما لم تكن إدارة المنافذ الحدودية جزءاً من المنظومة الاتحادية التي تنفذ هذه السياسة.

ولا يتعلق الأمر هنا بجدل إداري أو نزاع على الصلاحيات، وإنما بمتطلبات نجاح مشروع وطني سترتبط به حركة التجارة الإقليمية والدولية لعقود مقبلة، فالممرات الاقتصادية العالمية تحتاج إلى مرجعية إدارية واحدة، وسياسات موحدة، وإجراءات مستقرة، لأن شركات النقل والمستثمرين يبحثون عن وضوح القرار وسرعة الإنجاز أكثر من بحثهم عن موقع الجهة التي تدير المنفذ.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم، ونحن على أعتاب تنفيذ طريق التنمية، ليس فقط: هل سننجز الطريق؟ بل أيضاً: هل حُسمت منذ الآن آلية إدارة المنفذ الحدودي الذي سينتهي عنده هذا الطريق؟.

فإذا لم تُعالج هذه المسألة ضمن إطار دستوري ومؤسسي واضح، فقد نجد أنفسنا بعد إنجاز استثمارات بمليارات الدولارات أمام العقبة نفسها التي واجهت مشروع افتتاح المنفذ قبل سنوات.

إن طريق التنمية لن يُقاس بطول مساره البالغ (1200) كيلومتر، بل بقدرته على توفير ممر تجاري سريع وموثوق ومستقر، يبدأ من ميناء الفاو وينتهي عند منفذ حدودي يعمل بقرار موحد وإدارة كفوءة وحوكمة رصينة، ولهذا أكرر ما أراه جوهر القضية: العقدة ليست في الطريق، بل في الجهة التي ستدير المنفذ الحدودي.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى