أميركا والعالم

كتب طالب سعدون.. يُلاحظ أن أميركا قد خففت بعض الشيء من مصطلحات كانت ترددها وتحتج بها في التدخل بشؤون الدول، وخاصة في منطقتنا، مثل حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، وصدَّعت بها رأس العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، وجاء الرئيس ترامب ولم يكن في قاموسه شيء من هذه المصطلحات بدعوى أن بعض الدول غير جديرة بها وغير قادرة على إدارة نفسها!، وكانت تصرفاته ولقاءاته وبرامجه توضح ما يريد. نصب نفسه سيداً للعالم وتصرف على أساس أن بلاده مسؤولة عن إدارة شؤونه، وهو ما يريد ترسيخه وإن كان ذلك صعباً عليها.
طرح ترامب في بداية ولايته الثانية مشاريع كثيرة أكبر من طاقة أميركا عليها للإيحاء بجدارته لتلك المهمات وقدرته عليها، لم يتحقق منها إلى الآن ما يطمح إليه، وعداد ولايته يسير ويشير إلى صعوبة ما يسعى إلى تحقيقه في ولايته، فقد وعد بإنهاء الحرب الأوكرانية وحرب غزة واستغلالها بمشاريع استثمارية وتهجير سكانها ورُفضت كلها ولم تتحقق، ما جعل مهمته تواجه صعوبة كبيرة، وهي أيضاً أكبر من قدرة إسرائيل التي يراهن عليها كما تأكد له في الحرب الأخيرة أو تُعيد فكرة الاحتلال والتوسع وإنشاء إسرائيل الكبرى لتضمن له مساعداً قوياً في المنطقة وبالتالي تفشل مشاريعها للتطبيع والتسوية، وتُحرج المطبعين أمام شعوبهم وتعم الفوضى والاضطراب، وهو عكس ما كان يروج له ترامب من إقامة السلام والأمن في العالم وانتقاد الحروب والنزاعات.
لقد تصرفت أميركا بغرور – على أنها القطب الأوحد والسيد المطلق في العالم ومن حقها أن تخترق سيادة أي دولة، تعبر القارات وتجتاز المحيطات وتخترق السيادات بقواعد ومنصات وحاملات موزعة في أماكن متفرقة، وتضرب ما أتاحت لها قوتها ومصلحتها في استعراض هيبتها العسكرية وقوتها المالية والعلمية، ونسيت أو تناست أن هناك دولاً أخرى تشاركها في ذلك في مقدمتها الصين التي غزت العالم بالاقتصاد والتكنولوجيا والعلم وليس بالسلاح فقط، وتجد صناعاتها تطالعك في كل مكان في العالم على سعته.
العلم في تطور كبير وليس حكراً على أميركا ولا غيرها، وفي العالم من يعمل بصمت ويحمل العقل البشري من المفاجأة الكثير، العلم أصبح في متناول يد الطفل الصغير، بضغطة ضعيفة أو لمسة بسيطة على الماوس أو يدخل على أي وسيلة اتصال اجتماعية، ويمكن لأي إنسان أن يتنقل من دولة إلى أخرى دون دعوة رسمية أو تأشيرة دخول ويخترق بفنون العلم نفسه أي موقع سيادي ويلعب بمقدراته ويطلع على ما شاء من كتب ومخاطبات مموهرة بختم سري وشخصي.
والفضاء المفتوح والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، عابرة للحدود، وأصبحت في زمن العولمة من التحديات الكبيرة التي تواجه كل دولة وفي يد أي دولة، وتغزوها في عقر دارها.
لقد تجاوز الإنترنت في تغييراته المتسارعة الجغرافية، وويكيليكس بحد ذاته لغز محير في فن العولمة، فكيف له أن يخترق سيادة الدول ويعبر الجغرافية ويجمع ملايين الوثائق التي أحصت كل شاردة وواردة في العالم على اتساعه وتباعد مسافاته وحركة المسؤولين، والشخصيات العامة وأسرارهم الشخصية والسياسية، وهو اختراق تعجز عنه كل أجهزة الاستخبارات والمخابرات والاستقصاءات الصحفية والتسريبات الإعلامية ووسائل التنصت والاستدراج والتسقيط المخابراتية والسياسية، وما إلى ذلك من وسائل الأمس وأصبحت متخلفة اليوم أمام هذه الاختراقات الجبارة.
وكان لعملية الشبكة العنكبوتية التي قامت بها أوكرانيا في عمق روسيا صداها، وأثارت مخاوف من تكرار هذا النوع من العمليات في أميركا مثلاً، فقد حذر المحلل العسكري الأميركي براندون وايكيرت في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتيريست من أنه عاجلاً أو آجلاً سيحاول خصم ما تنفيذ هجوم على المنشآت الأميركية والمسألة ليست إذا حدث بل متى سيحدث على حد قوله، ويرى أن أميركا أصبحت عرضة للخطر بالطريقة نفسها التي كانت روسيا عرضة لها.
أميركا ليست وحدها في العالم، لها منافسون يقولون ويتصرفون عكسها، ومنافسون في مناطق كثيرة في العالم، في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وظهور نزعة لدى أوروبيين بعدم قبول الهيمنة الأميركية.
العالم واسع والعلم أوسع منه، أكبر من الجغرافية وأميركا ليست وحدها تتحكم فيه، ومفهوم أميركا أولاً قد يقبله الأميركيون ويلامس عواطفهم خاصة في الانتخابات ولكن غير مقبول من العالم، كما يثير حفيظة شركائها وينزع الثقة منها، لم تكن القطب الأوحد فيه، والمنافسة تأخذ من قوتها ومن بريق عملتها، فالمنافسة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية على أشدها الآن معها وقد تتوسع أكثر بعد الثورة العلمية التي قد يتحكم فيها العقل الاصطناعي وليس السياسي فقط، ولا مكان للضعفاء والفقراء ما لم تكن لهم إسهاماتهم في العلم والتكنولوجيا والاقتصاد، وهو المجال الأرحب للتنافس ويسع الجميع والبداية من التعليم والتعليم أولاً.