القانون الدولي وجرائم الحرب

كتب زهير كاظم عبود: بعد تهديد رئيس الولايات المتحدة، لإيران، بقصف الجسور ومحطات الكهرباء والبنى التحتية، فإنه بهذا التصريح العلني يرتكب جريمة من جرائم الحرب التي نصت عليها اتفاقية جنيف 1949 والبروتوكولات المضافة عليها، والقانون الدولي الإنساني يحرم بشكل صريح استهداف شبكات المياه ومحطات الكهرباء والجسور، واعتبارها أهدافاً لا يمكن أن تتعرض للقصف العنيف والدمار، وأن توجيه الهجمات إليها يلحق ضرراً مدنياً مفرطاً وعمدياً بسكانها.
وأن التهديد العلني بارتكاب مثل هذه الأعمال، ينم عن استهانة بالقانون الدولي الإنساني وبحياة آلاف المدنيين، وتحدٍ للقوانين والمعاهدات والأعراف الدولية، ويتعكز الرئيس الأمريكي على أن الولايات المتحدة الأمريكية لم توقع على اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية، وهي ليست طرفاً فيها.
إن التهديد العلني بارتكاب هذه الأفعال وتوجيه هجمات متعمدة ضد المدنيين أو المنشآت اللازمة للسكان المدنيين، تعتبر وفقاً لنصوص القانون الدولي والاتفاقيات الدولية جريمة حرب صريحة ومتكاملة الأركان، ومثل هذه الجرائم لا ينبغي على المجتمع الدولي أن يسكت عنها، ولأننا نزعم الالتزام بالقوانين الدولية التي لا تفرق بين رئيس وآخر وبين دولة وأخرى، فإن عدم تقيد الولايات المتحدة الأمريكية، بقانون المحكمة الجنائية الدولية، لا يعفيها من المساءلة القانونية، وهناك آليات للمحاسبة وإيجاد الوسائل الرادعة لإنزال العقوبة بمرتكبي مثل هذه الجرائم، غير أن لمجلس الأمن الصلاحيات القانونية لإحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولكون الولايات المتحدة عضواً دائماً في مجلس الأمن، ويتمتع كل عضو بحق النقض، مما يجعل أمر الملاحقة والإحالة غير متيسر في حال استعمال حق الفيتو.
إلا أن سوابق قانونية اتخذها مجلس الأمن بحق كل من السودان وليبيا، رغم عدم توقيعهما على قانون المحكمة الدولية، بالرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية، لا تملك صلاحية ملاحقة مواطني الدول التي لم توقع على الاتفاقية التي شكلت أساسها القانوني في معاهدة روما، إلا في حال أن تحال القضية من مجلس الأمن إليها، ويتوجب على الحكومة الإيرانية، أن تتقدم بشكوى ضد الولايات المتحدة متمثلة في شخص رئيسها دونالد ترامب، بتهمة انتهاك القانون الجنائي الدولي.
إن بعض الدول (بلجيكا وإسبانيا وألمانيا) تعتمد مبدأ ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، بصرف النظر عن جنسيتهم أو مكان ارتكابهم للجريمة، فهل يمكن لدولة من هذه الدول أن تتخذ الإجراءات القانونية بحق الرئيس الأمريكي؟ أم أن عوائق تحول دون ذلك، وهل يقبل القانون الدولي التفريق بين رئيس أمريكي ورئيس سوداني، وإذا كان الأمر يشكل مشكلة قانونية وسياسية، فيمكن رفع الشكاوى أمام هيئات معاهدات حقوق الإنسان الدولية، وأمام لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة لإصدار آراء استشارية، لاقتراح الحلول الواجبة لمثل هذه القضية التي تمس ليس فقط المصالح الاقتصادية، إنما يكون المدنيون ضحايا تلك الهجمات طرفاً أساسياً فيها.
اليوم تشعر البشرية أنها بحاجة ماسة لتكوين تحالف دولي لمواجهة هذه الانتهاكات والغطرسة والتهديد بالدمار من طرف واحد، تحالف دولي من دول خارج الهيمنة الأمريكية، حتى تشعر البشرية أن هناك من يحميها ويواجه من يستخف بالقوانين والمعاهدات الدولية، فالقانون الدولي يملك تعريف الجريمة وتوصيفها وتجريمها لكنه يفتقر إلى آلية التنفيذ، وبشكل خاص في مواجهة القوى العظمى، وهذه فجوة بنيوية لم يتدخل أو يحلها النظام الدولي حتى اليوم، والقوانين الدولية تقرها الحكومات وتلتزم بها ولا يمكن أن تكون فوقها، أو تتعرض للتمايز حسب توصيف الدول الكبرى أو غير الكبرى.
الكونغرس الأمريكي يمكن أن يقيد صلاحيات الحرب، وهو يتشكل من نخب بينها العديد من الشخصيات التي تقف بالضد من هذه الحرب واستمرار الدمار والموت، غير أن البشرية اليوم أمام وضع منتهك على المستوى القانوني، واستخفاف بكل المعايير على المستوى السياسي.




