تأثيرات أزمة المياه

كتب أ.د. محمد بهجت ثامر: تواجه دول العالم تهديدات خطرة بسبب شح المياه العذبة، حيث أكدت تقارير الأمم المتحدة، خطورة هذه التهديدات ودخول الكرة الأرضية «عصر الإفلاس المائي العالمي»، وهو مصطلح علمي حديث يشير إلى الحالة التي يتجاوز فيها سحب المياه السطحية والجوفية معدلات التجدد الطبيعية، ما يؤدي إلى فقدان دائم وغير قابل للاسترداد للموارد المائية في الكرة الأرضية.
التقرير عرض صورة رقمية شاملة لحالة المياه على سطح الكرة الأرضية، إذ لا تقدم هذه الأرقام كبيانات رقمية فحسب، بل كأدلة قاطعة على أن إفلاس المياه بات واقعاً جارياً يتخطى الحدود الجغرافية والاقتصادية ويكشف عن النمط العالمي المتكرر، أن الاستنزاف المائي يضرب الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، مع اختلاف وحيد يكمن في سرعة التدهور والقدرة على التحمل.
وهذا ينذر بمخاطر بيئية كبيرة، حيث اختفى ما يقرب من 35 بالمئة من الأراضي الرطبة خلال نصف قرن، كما تقلصت مساحة نصف البحيرات الكبيرة في العالم منذ أوائل التسعينيات، كما تعرضت المياه الجوفية التي تعد الضحية الكبرى لهذا الإفلاس المائي إلى الاستنزاف، إذ إن 70 بالمئة من طبقات المياه الجوفية الرئيسة تشهد انخفاضاً في مستوياتها، حيث تُستنزف بمعدل أسرع من إعادة تغذيتها وتكمن الخطورة، كون الزراعة تعتمد عليها في الري، وهذا يعني أن الأمن الغذائي أصبح يرتبط مباشرة بخزانات مائية مُفلسة مما يزيد من حجم الأزمة.
وبحسب التقارير الأممية، يقع العراق في فئة المخاطر المائية الشديدة للغاية، وهي الفئة الأعلى عالمياً والتي تجمع بين ندرة الكمية وتدهور النوعية وسوء الإدارة، ما اضطرت الحكومة إلى اتخاذ قرار بحظر شامل للزراعة الصيفية في جميع أنحاء البلاد، بسبب شح المياه الحاد، وهي خطوة تؤكد مدى خطورة أزمة المياه المتفاقمة سنة بعد أخرى في العراق، إذ تم إعطاء الأولوية القصوى لتوفير المياه الضرورية للاستهلاك البشري والبستنة الأساسية، في حين قلصت الخطة الزراعية الشتوية إلى (4.5) مليون ومشروطة باعتماد منظومات الري الحديثة، وهذا سينعكس على الأمن الغذائي، إذ لن تستطيع الحكومة توفير الغذاء لجميع أفراد المجتمع بالكمية والنوعية اللازمتين من أجل حياة صحية ونشطة، مما سيجبر العراق على استيراد المواد الغذائية من الخارج، وهذا سيرفع من مستوى التبعية السياسية والاقتصادية للدول الأخرى، ما سيؤثر في استقلالية قراراته ومواقفه الدولية.
إن الإفلاس المائي يضع بلد الرافدين أمام حقيقة قاسية، تحتم عليه وضع خطة ممنهجة مدعومة بقوانين تشريعية تفرض انتقالاً جذرياً من منطق تحسين الكفاءة التقليدي إلى منطق إعادة الهيكلة الشاملة، ومن السياسات التطوعية إلى التزامات صارمة قابلة للمساءلة، ويتم ذلك من خلال حلول مستدامة طويلة الأمد لإدارة المياه في العراق لمواجهة التغيرات المناخية، كالتخطيط للاستخدام الرشيد للمياه وتبني سياسة الزراعة الذكية التي ستساعد الفلاح على الصمود بوجه التغيرات المناخية، مع ضرورة تدويل أزمة الإفلاس المائي التي يمر بها العراق للحصول على الحقوق المائية من دول المنبع وفق القوانين الدولية، الخطة ستحد بلا شك من حدة التداعيات السلبية لأزمة الإفلاس المائي، وتحافظ على استدامة المياه والتي تمثل حجر الزاوية لضمان مستقبل مستدام لصالح الأجيال القادمة.




