أخر الأخبار

ما أحوجنا لمراكز بحوث إستراتيجيَّة

كتب عبد الأمير المجر.. في حوار متلفز مع المفكر العربي عماد يوسف شعيبي، قال في سياق كلامه عن راهننا المضطرب؛ اننا كثيرا ما نستقي معلوماتنا عن بلداننا ومشاكلنا من مراكز بحوث اميركية وغربية، وهذه المراكز بعيدة عن واقعنا وغير دقيقة، واننا نعرف عن واقعنا اكثر مما تعرف.. وانقل هنا قول شعيبي بالمعنى وليس بالنص.

نعتقد أن هذا الكلام يتفق معه اغلب المهتمين بالشأن السياسي والثقافي عندنا، وانا منهم، لأني لمست، وتحديدا خلال العشرين عاما الماضية، كيف ان هناك من ينقل لنا تصورات واحداث ستحصل في العراق أو المنطقة منقولة عن مصادر غربية أو اميركية ومن ثم تثبت الايام عدم دقة ذلك، وفي العموم حين يظهر محلل سياسي على شاشة احدى الفضائيات ويطعم كلامه بالقول، انه قرأ في الجريدة الاميركية الفلانية أو مركز الابحاث أو الدراسات الفلاني كذا وكذا، يجد البعض ان هذا الكلام يجعل صاحبه اكثر مصداقية وقبولا عند المتلقي الذي يبهره هذا المحلل بقدرته على الوصول إلى تلك المعلومات والإضافة عليها! .

نستطيع القول إن التجربة الطويلة علمتنا أن (عقدة الخواجة) التي ظلت تحكمنا طويلا تجاه الاخر- الغربي تحديدا- فرضت على الكثيرين منا أن يتعاملوا مع كل ما يأتينا من هناك، كما لو انه من المسلّمات، سواء في الاستشراف السياسي أو على مستوى الطروحات الفكرية والثقافية بشكل عام على الرغم من أن الكثير مما وصلنا كان قد انتهى هناك، أو انه جاءنا مجتزءا من حراك ثقافي وسياسي محكوم بسياقات مختلفة عن واقعنا ومشكلاتنا.

الشيء الذي علينا ان نقف عنده بشجاعة ونعترف به، هو اننا نعاني من غياب مؤسسي، دفع بنا إلى قراءة واقعنا من خلال الآخر وبعينه ايضا، لنقع في الغالب ضحية لذلك الانقياد الذي فرضناه على انفسنا. فمنذ عقود غير قليلة ونحن نمتلك الجامعة والمعهد، لكننا وللأسف لم ننضج مراكز بحثية رصينة تتوفر فيها كل اسباب التواصل مع العالم وتواكب الحديث، لنمكّن باحثينا من قراءة ما حولهم بدقة ويسر واستنباط (الحقائق) وصولا إلى استشراف، ولو نسبي، لمستقبلنا الذي صار يصاغ بعيدا عن مشاركتنا أو معرفتنا، بسبب غيابنا الثقافي وتغييبنا الحضاري الذي اسهمت فيه عوامل عدة ويراد لهذا الغياب أن يستمر بإرادتنا هذه المرة! .

نسمع وباستمرار عن مناقشات لرسائل الماجستير والدكتوراه، وقد كثرت بشكل غير مسبوق بسبب كثرة الجامعات التي تأسست في العقدين الاخيرين، لكننا لم نسمع عن مركز بحوث رصين تأسس سواء في احدى هذه الجامعات ليكون بمثابة نافذة ضوء باتجاه المستقبل، سواء في قراءة الواقع السياسي والاقتصادي أو الثقافي بشكل عام، لا سيما أن امكانية التفاعل مع المؤسسات العلمية والثقافية في العالم بات ايسر بكثير مما كان عليه سابقا بفعل تقنيات التواصل الحديث، ولم تسع الجامعات العراقية الحكومية أو الاهلية لذلك بشكل جاد، ولم نسمع أن هناك مركز بحوث عراقي قدم تصوراته لمستقبل البلاد وحل مشكلاتها المتوالدة ونشرها من خلال الاعلام بعد ان قدمها لأصحاب القرار في المجالات التي تعنيهم.

نجد من الضروري جدا أن تقدم الجامعات العراقية العريقة مثل بغداد والمستنصرية والتكنولوجية الموصل والبصرة وغيرها على مثل هذه الخطوات، وانها قادرة على ذلك بعد أن أصبح في العراق اليوم الكثيرين من اصحاب الكفاءات الذين لا ينقصهم الّا الحضن المؤسسي الرصين، الذي يولد من رحم هذه المؤسسات العريقة، فالأحداث التي تعصف بمنطقتنا والعالم بشكل عام، لانعرف عن مدخلاتها الحقيقة الكثير، الأمر الذي يجعل متابعة الاحداث من خلال الاعلام الذي يركز في الغالب على التداعيات اليومية مع تحليلات تخضع بشكل أو بآخر إلى مزاج وميول الجهات الاعلامية ومن يقف وراءها، جعل المتلقي عندنا اشبه بالتائه بين تلك التحليلات والقراءات التي كثيرا ما تجانب الموضوعية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى