أخر الأخبار

بغداد (العاصمة الجديدة)

كتب عبد الزهرة محمد الهنداوي: بغداد بوضعها الحالي، لم تعد صالحة للعيش، مثلها مثل العديد من عواصم الدنيا المختنقة، عدم صلاحيتها للعيش جاء بعد أن اختنقت بملايينها العشرة من البشر، وملايينها الأربعة من السيارات، ومولاتها ومجمعاتها السكنية والتجارية، التي أحكمت خناقها مرورياً وخدماتياً، ومنظراً بصرياً لا يسر الناظرين، بعد أن أُنشئت من دون مراعاة لضيق التنفس الذي تعاني منه العاصمة.

 

ليس هذا وحسب، إنما بدأت تفقد بساطها الأخضر الجميل، إذ لم نعد نجد أثراً لحدائق المنازل، ولا أشجار الجزرات الوسطية، بعد أن جرى تجريفها من جراء زحف السكن والتجمعات العشوائية والمراكز التجارية!.

وعلى الرغم من كون بغداد تتنفس تحت طبقات من التلوث البيئي، فإن ملايين غير ملايينها من ساكنيها يحجون إليها نهاراً من مختلف المحافظات، لأغراض العمل والدراسة والعلاج والسياحة.. إلخ.

هذا الاختناق، يجب أن يجعلنا نستعجل الخطى لإنشاء عاصمة إدارية جديدة، إذ باتت هذه الفكرة تفرض نفسها اليوم بقوة، في ظل التحديات المتراكمة التي تواجه العاصمة بغداد، سواء على مستوى الكثافة السكانية، أو الضغط الكبير على البنية التحتية، أو التداخل بين الوظائف السياسية والإدارية والخدمية والاقتصادية في مدينة واحدة لم تعد قادرة على تحمل واستيعاب هذا الحجم من الأعباء.

لذلك، فإن الحاجة إلى عاصمة إدارية لا تنبع من مجرد الرغبة في إنشاء مدينة جديدة، بل من ظروف ضاغطة تفرضها متطلبات الإدارة الحديثة، والتخطيط بعيد المدى، وبناء مؤسسات دولة أكثر كفاءة وانسيابية، فالعواصم الإدارية في كثير من دول العالم لم تكن ترفاً عمرانياً، بل تمثل استجابة استراتيجية لمشكلات مزمنة تتعلق بالازدحام، وضعف الخدمات، وصعوبة إدارة الدولة من مركز حضري مكتظ ومعقد.

العاصمة الإدارية الجديدة يمكن أن تمثل فرصة لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة ضمن بيئة حديثة تعتمد على التخطيط الذكي، والبنية التحتية المتطورة، والربط الرقمي، والحوكمة الرشيدة، والهوية البصرية، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء الحكومي وتقليل الهدر في الوقت والموارد.

كما يمكن أن تكون منطلقاً لتنمية اقتصادية متوازنة عبر خلق أقطاب عمرانية جديدة خارج المركز التقليدي، وتخفيف الضغط عن بغداد، وتحفيز الاستثمار في قطاعات الإسكان والنقل والطاقة والخدمات.

إنجاح هذا المشروع، يتطلب رؤية وطنية شاملة، تستند إلى دراسات جدوى دقيقة، وتخطيط عمراني متكامل، وضمانات مالية وإدارية واضحة، بعيداً عن القرارات المتسرعة أو المشاريع غير المدروسة، فالعاصمة الإدارية ليست مباني حكومية فقط، بل منظومة متكاملة للحياة والعمل والاستدامة.

مرة أخرى، إن إنشاء عاصمة إدارية جديدة يجب أن يكون جزءاً من مشروع إصلاح الدولة نفسها، لا مجرد مشروع إنشائي، فحين تكون الرؤية واضحة، والإرادة حاضرة، والتخطيط علمياً، يمكن لهذا المشروع أن يشكل نقطة تحول تاريخية في مسار التنمية العراقية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الإدارة الحديثة والدولة القادرة على مواكبة المستقبل.

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى