أخر الأخبار

الحرب كنبوءة دينيَّة

كتبت نرمين المفتي.. أثار خبر تلقي منظمة Military Religious Freedom Foundation (منظمة حرية الدين العسكري) أكثر من مئتي شكوى من جنود وضباط في الجيش الأمريكي، موجة من التساؤلات حول العلاقة بين الدين والسياسة والحرب.

فقد أفاد المشتكون بأن بعض قادتهم العسكريين كانوا يفسرون الصراعات في إيران والعراق بلغة دينية صريحة، بوصفها جزءاً من خطة إلهية تمهد لأحداث نهاية الزمان.

بعضهم أشار كذلك إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “ممسوح من المسيح” لتحقيق هذه المهمة، في تكرار للخطاب الذي رافق تدخلات سابقة في المنطقة.

قد يبدو هذا الكلام غريبا في مؤسسة عسكرية يفترض أنها تعمل وفق عقيدة استراتيجية بحتة، لكن التاريخ يكشف أن هذه اللغة ليست حادثة معزولة. منذ حرب العراق 2003 إلى الحروب المتكررة في غزة والتوترات المستمرة مع إيران، ظل الخطاب الديني يحضر في صياغة أهداف الولايات المتحدة والتحالفات الإقليمية، مؤثرا في فهم العدو وشرعية العمليات العسكرية.

بعد هجمات 11 ايلول/ سبتمبر 2001 وصف الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الابن الحرب على الإرهاب بأنها صراع كوني بين الخير والشر، مستخدما مصطلح “الحملة الصليبية” قبل أن يتراجع تحت ضغط العالم الإسلامي. ولم تقتصر القصة على الكلمات، فقد ذكرت روايات دبلوماسية أن بوش قال للرئيس الفرنسي جاك شيراك إن “يأجوج ومأجوج يعملون في الشرق الأوسط”، في إشارة مباشرة للنبوءات المتعلقة بنهاية الزمان، مع ربطها بالتدخل الأمريكي في العراق.

هذا الإطار لم يتوقف عند بوش. ففي العقود التالية، واصلت بعض التيارات الدينية في الولايات المتحدة، المعروفة بالصهيونية المسيحية ترويج فكرة أن الشرق الأوسط ميدان لتحقيق النبوءات. يفسر هذا التيار نصوص مثل (سفر الرؤيا) على أنها معركة كبرى في نهاية التاريخ، ويضع المنطقة كلها على ساحة صراع ديني، وليس مجرد نزاع سياسي أو استراتيجي.

من أبرز الأصوات التي تعكس هذا التصور السياسي والديني، هو السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيونى مايك هاكابي، الذي أكد في مقابلات عدة، منها حوارات مع تاكر كارلسون، أن الأرض المعروفة دوليا بالضفة الغربية هي في الواقع “يهودا والسامرة”، ووصفها بأنها وعد إلهي لبني إسرائيل. وفي هذا السياق، تختفي الحدود بين اللاهوت والسياسة، ويصبح التاريخ نفسه أداة لتفسير النصوص المقدسة. واستخدم رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو خلال حرب ابادة غزة قصة “عماليق” التوراتية، التي تأمر، بحسب النص، بالقضاء الكامل على أعداء بني إسرائيل. استخدام هذا النص في صراع معاصر أثار جدلا واسعا، لأنه يحول السياسة العسكرية إلى ما يشبه تحقيق نبوءة تاريخية.

حتى الاتفاقيات السياسية، مثل (اتفاقيات أبراهام)، أُعيدت صياغتها في إطار ديني رمزي، مقدمة على أنها سلام “إبراهيمي” يجمع الديانات الثلاث، لكن منتقدين كثيرين رأوا فيها محاولة لتجاوز القضية الفلسطينية وإعادة تعريف المنطقة سياسيا ضمن رمزيات دينية، بدل معالجة الواقع السياسي المعقد.

تكشف هذه الأمثلة استمرارية نمط استخدام الدين لتبرير القرارات العسكرية والسياسية عبر العقود، من بوش إلى ترامب ونتنياهو ومن العراق إلى غزة وايران والتحالفات الاقليمية، حيث يظل الخطاب الديني حاضرا كغطاء لعمليات استراتيجية.

هنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى: لماذا يُنظر إلى اللغة نفسها بشكل مختلف حسب مصدرها؟ عندما يستخدم حكام وسياسيون مسلمون نصوصا دينية لتبرير قراراتهم، يوصفون فورا بأنهم إرهابيون دينيون. أما عندما تصدر عن قادة دول أو تيارات نافذة في الغرب وأمريكا والكيان، غالبا ما توصف بـ “رؤية دينية” أو “قناعة عقائدية”، مما يعكس تأثير القوة على تصنيف الخطاب.

لكن أخطر ما في هذا التداخل بين النبوءة والسياسة، هو أنه يجعل التفاوض صعبا للغاية. فالخصم لم يعد طرفا سياسيا يمكن التفاهم معه، بل أصبح جزءا من قصة كونية مكتوبة مسبقا. هنا، تتحول الحروب من صراعات على الأرض أو الموارد أو النفوذ، إلى فصول في سردية لاهوتية كبرى، حيث تصبح نصوص دينية قديمة دليلًا على القرارات العسكرية الحديثة.

ربما لهذا السبب يبدو الشرق الأوسط وكأنه يعيش في طبقتين من التاريخ في آن واحد، طبقة واقعية تتحرك فيها الجيوش والدبلوماسية، وطبقة أسطورية تُستدعى فيها الأساطير والنبوءات لتفسير الأحداث. وبين هذين المستويين تكمن الحقيقة الأكثر إزعاجا وهي أن الحروب التي تسن باسم النبوءات نادرا ما تنتهي بسلام، لأن من يعتقد أنه ينفذ إرادة السماء لا يرى مكانا للتسوية على الأرض.

زر الذهاب إلى الأعلى