المنافذ الحدودية.. إصلاح وسيادة

كتبت وفاء الفتلاوي: لم تعد المنافذ الحدودية في العراق مجرد نقاط لعبور البضائع واستيفاء الرسوم الجمركية، بل تحولت إلى ملف سيادي تتداخل فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والإدارة العامة، فحزمة الإجراءات التي أقرتها الحكومة أخيراً تكشف عن محاولة لإعادة صياغة آلية إدارة هذا الملف، من خلال الجمع بين الرقابة الأمنية والإصلاح الإداري وتعظيم الإيرادات، في مقاربة تختلف عن الاقتصار على الحملات الرقابية التقليدية.
وجاءت التوجيهات الحكومية الأخيرة لتضع المنافذ أمام مرحلة جديدة من التنظيم، شملت إلزام الدوائر العاملة بنظام التدوير الوظيفي، وفتح قنوات سرية لتلقي الشكاوى والإبلاغ عن حالات الابتزاز أو التقصير، وتعزيز وجود الأجهزة الأمنية والاستخبارية داخل ساحات الكشف والتبادل التجاري، إلى جانب تشكيل لجنة مشتركة لمسح الحدود وإغلاق المنافذ غير الرسمية، فضلاً عن إعادة أجهزة السونار إلى الهيئة العامة للكمارك باعتبارها الجهة المختصة بإجراءات الفحص والكشف.
ولا تبدو هذه الإجراءات منفصلة عن بعضها، بل تعكس سعياً لمعالجة أكثر من تحدٍّ في وقت واحد، فالتدوير الوظيفي يستهدف الحد من تكوين العلاقات والمصالح التي قد تنشأ مع بقاء الموظفين لفترات طويلة في المواقع نفسها، فيما يهدف تعزيز الرقابة الأمنية إلى إحكام السيطرة على المنافذ ومنع دخول المواد المخالفة للقانون، بينما يسعى تنظيم الصلاحيات بين الجهات العاملة داخل المنفذ إلى تقليل التداخل الإداري وتسريع إنجاز المعاملات وفق الأطر القانونية.
ولا يمكن فصل هذه الإجراءات عن مساعي الحكومة لتعزيز الإيرادات غير النفطية، في ظل توجهات رسمية لتنويع موارد الدولة وتقليل الهدر المالي، بالتوازي مع إحكام السيطرة على المنافذ الحدودية بوصفها إحدى أهم بوابات التجارة والجباية، فالإصلاح في هذا الملف لا يقتصر على مكافحة المخالفات، بل يرتبط أيضاً بإعادة تنظيم الإدارة وتحسين كفاءة التحصيل المالي وتعزيز الأمن الحدودي.
ولم يعد هذا الملف محصوراً بالسلطة التنفيذية، بل يحظى أيضاً بمتابعة برلمانية، ولا سيما من لجنة النزاهة النيابية التي تركز على ضبط الإيرادات غير النفطية، ومكافحة التهريب، وإنهاء المنافذ غير الرسمية، إلى جانب متابعة تنفيذ قرارات تدوير الموظفين والإجراءات الرامية إلى إحكام الرقابة.
ويعكس هذا الاهتمام المشترك إدراكاً متزايداً بأن إصلاح المنافذ لم يعد قضية إدارية فحسب، بل ملفاً سيادياً ومالياً يتطلب تكاملاً بين الدور التنفيذي والرقابي لضمان تحقيق النتائج المرجوة.
ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية إذا ما قورن بحجم الإيرادات المتحققة من المنافذ الحدودية، إذ تجاوزت خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 حاجز تريليون و290 مليار دينار، مع توقعات رسمية بالوصول إلى ثلاثة تريليونات دينار مع نهاية العام، وهذه الأرقام تعكس أن المنافذ لم تعد مجرد مراكز إدارية، بل أحد أهم الموارد المالية غير النفطية التي تراهن عليها الدولة لتعزيز إيراداتها.
غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يرتبط بالإجراءات وحدها، فالتحديات التي تواجه المنافذ ما تزال قائمة، وفي مقدمتها ضعف بعض البنى التحتية، ونقص أجهزة الفحص في عدد من المنافذ، وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات، فضلاً عن الحاجة إلى توحيد الإجراءات الجمركية واستكمال معالجة المنافذ غير الرسمية، وهي ملفات تتطلب عملاً مؤسسياً مستمراً، لأن أي إصلاح إداري يفقد أثره إذا لم تدعمه بيئة تشغيلية متكاملة.
ومن زاوية أخرى، فإن تشديد الرقابة على المنافذ لا يقتصر أثره على زيادة الإيرادات، بل يمتد إلى حماية السوق المحلية من دخول البضائع غير المطابقة للضوابط، وتعزيز الثقة بمنظومة التجارة الرسمية، وإحكام السيطرة على الحدود بما ينعكس على الأمن الاقتصادي للدولة، لذلك فإن نجاح هذه الإجراءات لن يقاس بعدد القرارات الصادرة، وإنما بمدى قدرتها على تقليص الثغرات وتحويل المنافذ إلى نقاط عبور تعمل وفق معايير موحدة وشفافة.
وفي المحصلة، يبدو أن الحكومة اختارت التعامل مع المنافذ الحدودية بوصفها مشروعاً لإعادة تنظيم الإدارة أكثر من كونها حملة مؤقتة لمكافحة المخالفات، ويبقى الرهان الحقيقي في استدامة هذه الإجراءات وتحويلها إلى نتائج ملموسة يمكن قياسها في الإيرادات وكفاءة الأداء ومستوى الانضباط داخل المنافذ، لأن نجاح أي إصلاح لا تثبته البيانات الرسمية وحدها، بل تؤكده الوقائع على الأرض.




