أخر الأخبار

خريطة طريق للرقابة الوقائية وحماية المال العام

كتب د. أكرم سالم: لم تعد مكافحة الفساد الإداري والمالي في العراق ترفاً سياسياً أو ملفاً يمكن تأجيله، بل أصبحت شرطاً أساسياً لنجاح الإصلاح الاقتصادي واستعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء خريطة طريق متكاملة للرقابة الوقائية وحماية المال العام، تقوم على الانتقال من معالجة الفساد بعد وقوعه إلى منعه قبل حدوثه، عبر منظومة تشريعية ورقابية وتنفيذية متماسكة.

وفي هذا السياق، يكتسب الدور التشريعي والرقابي لمجلس النواب أهمية استثنائية، ليس بوصفه جهة رقابة لاحقة فحسب، وإنما شريكاً مؤسسياً في إنجاح مسار الإصلاح الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة بقيادة رئيس الوزراء.

وقد شهدت الفترة الأخيرة تحركاً نيابياً واضحاً باتجاه تعزيز الرقابة على المال العام، من خلال متابعة أعمال ديوان الرقابة المالية وملفات النزاهة ومكافحة الفساد، إن نجاح الاستراتيجية الحكومية يتطلب إرادة سياسية متكاملة، تبدأ من أعلى مستويات الدولة وتمتد إلى جميع الوزارات والهيئات والمحافظات والمؤسسات العامة، بحيث يصبح احترام المال العام قاعدة ثابتة لا تخضع للمساومات أو الاستثناءات، فالرقابة الفاعلة لا ينبغي أن تكتفي بكشف المخالفات، بل عليها أن تحدد مكامن الخلل قبل صرف الأموال، وتراجع جدوى المشاريع، وتتحقق من سلامة إجراءات التعاقد والتنفيذ، وتقيس النتائج المتحققة مقارنة بما أُنفق من أموال.

وفي مقدمة هذه الخريطة تأتي موازنة البرامج والأداء، التي أعلنت الحكومة توجهها إلى اعتمادها، بما ينسجم مع الحاجة إلى ربط الإنفاق الحكومي بالنتائج الفعلية.

هذه الخطوة تمثل تحولاً جوهرياً من موازنة تركز على حجم الإنفاق وتخصيصاته إلى موازنة تسأل تساؤلات حيوية وأكثر أهمية، تتمثل في: (ماذا حقق هذا الإنفاق للمواطن والدولة؟)، فموازنة البرامج والأداء تتيح تحديد أهداف واضحة لكل وزارة ومؤسسة، ووضع مؤشرات قابلة للقياس، وربط التمويل بمستوى الإنجاز، بما يجعل المسؤولية أكثر وضوحاً ويحد من الهدر والتلاعب والمشاريع غير ذات الجدوى.

كما تمنح مجلس النواب وديوان الرقابة المالية وأجهزة النزاهة أدوات وآليات حديثة أكثر فاعلية لمتابعة الأداء ومساءلة المقصرين، وتتيح مساحات واسعة لمبدأ الشفافية وانسيابية المعلومة، وتحتاج هذه المنظومة كذلك إلى رقمنة الإجراءات المالية والحكومية، وتعزيز الشفافية في العقود والمناقصات والمشاريع، وتطوير التدقيق الداخلي، وتبادل البيانات بين الجهات الرقابية، مع تفعيل مبدأ المسؤولية الشخصية عن القرارات المالية.

كما ينبغي أن تتحول تقارير الرقابة من وثائق تحفظ في الأدراج إلى أدوات لاتخاذ القرار وتصحيح المسار، مع الامتثال للمعايير الاقتصادية والمالية والتدقيقية، إن المعركة ضد الفساد لا يمكن أن تنجح بالخطاب وحده، بل تحتاج إلى قواعد ومعايير واضحة، ورقابة مستمرة، وقضاء مستقل، وتشريعات رادعة، وبيانات شفافة، ومحاسبة بلا انتقائية.

وفي هذا الإطار، فإن التنسيق بين مجلس النواب وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والسلطة التنفيذية والقضاء، يمثل أحد مفاتيح بناء منظومة نزاهة متماسكة، وهو اتجاه أكدت عليه مؤسسات الدولة الرقابية والنيابية مؤخراً.

إن حماية المال العام ليست مهمة الحكومة وحدها، ولا مجلس النواب وحده، وإنما مسؤولية دولة مؤسسات ومجتمع وأفراد، وإذا ما اقترنت الإرادة السياسية بإصلاح مالي وإداري حقيقي، وفي مقدمته تطبيق موازنة البرامج والأداء، فإن العراق يستطيع أن ينتقل من مرحلة مكافحة آثار الفساد إلى مرحلة الوقاية منه وتجفيف مصادره، بما يعزز كفاءة الإنفاق، ويدعم الإصلاح الاقتصادي، ويمنح الاستراتيجية الحكومية فرصة حقيقية للنجاح على أعلى المستويات وفي مختلف الصعد.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى