ماذا يليق بالعراق؟

كتب علي حميد الطائي: في أعقاب كل انتخابات لا يقف العراق عند محطة إعلان النتائج فحسب، بل يدخل مرحلة أشد حساسية تُقاس هذه المرحلة فيها جدية العملية السياسية بقدرتها على التحول من التنافس إلى الإدارة، ومن الخطاب إلى الفعل.
ومع اكتمال بعض الاستحقاقات الدستورية المتمثلة بانتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه، وبقاء اختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، يبرز سؤال يتقدم على كل الأسئلة الأخرى: ماذا يليق بالعراق في هذه اللحظة؟.
من الناحية الدستورية، تمثل الانتخابات أداة لإعادة إنتاج السلطة على أساس الإرادة الشعبية، لكنها لا تُعدّ نهاية المسار الديمقراطي بل البداية الفعلية.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المقاعد أو توزيع المواقع، بل في نوعية السلطة التي ستُنتج، وفي المنهج الذي ستحكم به الدولة خلال السنوات القادمة.
وهنا يُصبح التركيز المفرط على الأسماء على حساب البرامج، انزلاقاً من منطق الدولة إلى منطق التنافس السياسي الضيق.
لقد وضع الدستور العراقي إطاراً زمنياً واضحاً لتشكيل السلطات، إدراكاً من المشرّع أن الفراغ السياسي يُعدّ أحد أخطر التهديدات لاستقرار الدول الخارجة من الأزمات.
فالالتزام بالمدد الدستورية ليس مجرد إجراء قانوني بل هو تعبير عن احترام العقد الاجتماعي، وضمانة لعدم تحوّل الخلافات السياسية إلى أزمات بنيوية، وكل تأخير في هذا المسار لا ينعكس فقط على النخب السياسية، بل يدفع المواطن ثمنه من ثقته واستقراره اليومي.
غير أن الالتزام بالمدد على أهميته لا يكتمل من دون الاتفاق على مضمون المرحلة المقبلة، فما يليق بالعراق اليوم ليس تسوية مؤقتة تُنتج حكومة بلا برنامج، بل توافقٌ وطني على منهج حكم واضح وقابل للتنفيذ والمساءلة، فالدولة التي تواجه تحديات متراكمة في البنية التحتية والخدمات والاقتصاد، لا يمكن إدارتها بعقلية إدارة الأزمات أو ترحيل المشكلات.
من زاوية واقعية فإن المواطن الذي عاش تجارب طويلة من الوعود غير المكتملة، بات يقيس جدوى العملية السياسية بنتائجها الملموسة، فهو لا يبحث عن خطاب سياسي متماسك بقدر ما يبحث عن كهرباء مستقرة، ومياه صالحة، وفرص عمل، ونظام إداري يقلل من الهدر والفساد، وهذه المطالب في جوهرها ليست سياسية بقدر ما هي حقوق أساسية، يفترض أن تكون في صلب أي برنامج حكومي.
وفي السياق نفسه لا يمكن فصل الاستقرار الداخلي عن طبيعة العلاقات الخارجية، فما يليق بالعراق هو سياسة خارجية متوازنة، تُدار بمنطق الدولة ذات السيادة، وتستند إلى المصالح الوطنية لا إلى الاصطفافات.
إن قدرة أي حكومة على ترميم صورة العراق إقليمياً ودولياً، ترتبط بمدى نجاحها في بناء دولة مؤسسات قادرة على الوفاء بالتزاماتها وحماية قرارها الوطني.
أما على الصعيد التشريعي، فإنّ المرحلة المقبلة تتطلب تحريكاً جاداً لملف القوانين المؤجلة، لا سيما تلك المرتبطة بالاقتصاد والاستثمار والإدارة المحلية والخدمات.
فالتشريع ليس ترفاً سياسياً، بل أداة مركزية لإصلاح الخلل البنيوي، وتحويل الموارد إلى فرص تنموية حقيقية، ودون منظومة قانونية مستقرة وواضحة ستبقى أي حكومة رهينة الحلول المؤقتة.
تُظهر التجارب المقارنة في الدول، التي مرت بظروف مشابهة أن نجاح ما بعد الانتخابات يتوقف على القدرة في الانتقال من شرعية الصندوق إلى مشروعية الإنجاز، فالشرعية الانتخابية تمنح التفويض، لكن مشروعية الأداء هي التي تحافظ عليه، وعندما يُختزل النقاش السياسي في صراع الأسماء تُستنزف طاقة الدولة في خلافات لا تنعكس إيجاباً على حياة الناس.
من هنا، فإن ما يليق بالعراق اليوم هو إعادة ترتيب الأولويات السياسية على أساس وطني جامع، أن يكون الاتفاق أولاً على البرنامج، ثم يأتي الاسم بوصفه أداة لتنفيذ هذا البرنامج لا غاية بحد ذاته، وأن تُدار الخلافات ضمن الإطار الدستوري بعيداً عن منطق التعطيل أو كسر التوازنات.
العراق بثقله التاريخي والجغرافي والإنساني، لا يحتاج إلى انتصار سياسي مؤقت، بل إلى مشروع دولة طويل الأمد. دولة تُقاس قوتها بقدرتها على تقديم الخدمات وحماية السيادة وجذب الاستثمار وبناء علاقات داخلية قائمة على الثقة وخارجية قائمة على الاحترام المتبادل، ذلك هو المخرج الحقيقي لأي أزمة سياسية، وهو المعيار الذي يمكن أن يُحاكم عليه أي استحقاق دستوري.
في المحصلة، فإن السؤال الجوهري ليس: من سيتولى المنصب؟ بل: ماذا سنقدّم للعراق؟ والجواب عن هذا السؤال هو وحده ما يحدد ما يليق بالعراق، وما لا يليق به.




