مليون قطعة أرض

كتب د. صادق كاظم: تواجه البلاد أزمة سكن حقيقية آخذة بالازدياد، ويقدر الخبراء حاجة البلاد الفعلية بأكثر من 4 ملايين وحدة سكنية خلال العشرة أعوام المقبلة، مع وجود عجز حقيقي يصل إلى حوالي 3 ملايين وحدة سكنية حالياً، وهو مؤشر كبير على حجم التحدي، الذي تواجهه الحكومة خلال الفترات المقبلة.
طرحت العديد من المبادرات التقليدية في السابق لمعالجة الأزمة، كالإقراض وتوزيع الأراضي وبناء المجمعات السكنية وبيعها على المواطنين بشكل مباشر عبر حوافز استثمارية كبيرة، لكنه ومع ذلك لم يكن التأثير كبيراً ولم يسهم في تخفيف ومعالجة الأزمة التي ظلت تكبر عاماً بعد آخر.
لا يمتلك ثلث سكان البلاد عقاراً سكنياً أو قطعة أرض حتى، وأمنياتهم في الحصول على واحدة منها قريباً تبدو أمراً صعباً في ظل المشكلات والعقبات التي تواجه خطط الحكومة في تمكين المواطنين من امتلاك المنازل، بسهولة بسبب ضعف الاستثمارات في قطاع الإسكان وغياب المشاريع السكنية العملاقة، التي يمكن أن تستوعب الزيادات الحاصلة في الطلب على العقارات، فضلاً عن ضعف التمويل لهذه المشاريع لأسباب اقتصادية ومالية، إضافة إلى خضوع سوق العقارات إلى تقلبات المضاربين، الذين رفعوا الأسعار إلى معدلات عالية تفوق بكثير قدرات المواطنين على الشراء، وكذلك الفوائد المرتفعة جداً والقيود الصارمة التي تفرضها المصارف على قروض الإسكان والتي لا تلبي القدرات الفعلية على الشراء وكذلك حجمها المحدود، الذي لا يغطي جميع الطلبات مما يخلق فجوة واضحة بين قلة المعروض وزيادة الطلب.
كان خيار بناء أربع مدن سكنية عملاقة في البلاد واحداً من الحلول، التي توجهت إليها الحكومة لمعالجة الأزمة في ظل نجاحات سجلتها التجربة في العديد من دول المنطقة التي تعاني من أزمات مماثلة، لكنه يحتاج إلى سنوات طويلة لاكتماله والحكم على نتائجه.
مشكلة أزمة السكن لا تنحصر في العجز عن تلبية متطلبات السكن للمواطنين، بل في مواجهة التحديات الإدارية والبيروقراطية التي تسهل إجراءات منح القروض وإقامة المشاريع ومراقبة آليات الأسعار وبيع الوحدات للمواطنين بأسعار معقولة ومنع المضاربة، ومنع فرض الأسعار العالية على المواطنين من قبل أصحاب المشاريع، فضلاً عن النمو السكاني المتزايد، حيث يصل النمو إلى حوالي مليون نسمة سنوياً، ما يؤدي إلى ازدياد الطلب على الوحدات والخدمات السكنية، بشكل كبير وسط ضعف واضح في برامج تطوير قطاع الإسكان.
كما أن هناك عوامل أخرى مثل الفقر والهجرات الداخلية، نتيجة للأزمات المعيشية وشح المياه، التي أجبرت العديد من المواطنين العاملين في قطاع الزراعة إلى الهجرة إلى المدن والاستقرار فيها، بحثاً عن حياة أفضل وفرص للعمل.
مشروع المليون وحدة سكنية الذي يشمل المدن الجديدة وأراضي المطور العقاري والمجمعات الاستثمارية، يمثل فرصة لإيجاد حل واقعي لأزمة لا تزال تفرض نفسها بقوة على حياة المواطنين، الذين لم يجدوا في المبادرات السابقة حلاً لأزماتهم، التي جاءت ضمن عدة مبادرات لحل الأزمة، لكنها واجهت مشكلات وعقبات أدت إلى عدم تحقيق أهدافها، وهذه المبادرة، التي تعتبر مهمة لمعالجة أزمة السكن، تحتاج إلى العديد من الإجراءات والخطوات، لضمان نجاحها والتي من بينها توحيد جهود العديد من وزارات الدولة المعنية من خلال فرز المساحات، التي سيتم تخصيصها للسكن مع خارطة خدمات بلدية وبنى تحتية متكاملة ورفع التجاوزات عنها، وأن تكون عملية التوسع أفقية وليس عمودية، من خلال فتح وتشييد مدن سكنية جديدة قريبة من مدن البلاد المهمة، تخفف من الضغط السكاني على المركز مع معالجة ظاهرة العشوائيات وإدخالها ضمن هذه المبادرة، خصوصاً أنها تمثل مشكلة مزمنة، حيث إن هناك أربعة ملايين مواطن يعيشون فيها منذ سنوات طويلة من دون حل لمشكلتهم.
وكذلك العمل بمشاريع المدن السكنية التخصصية، التي تمنح للمواطنين على أساس انتسابهم الوظيفي كمدن المهندسين والأطباء والدفاع والداخلية وغيرها عبر برامج استقطاع مالي مناسب، لتسديد كلف وأثمان هذه الوحدات السكنية.
هذه المبادرة تفرض أيضاً ضرورة مراجعة تجربة المجمعات السكنية، التي يكتنفها العديد من الملاحظات السلبية والتي تحولت من مشاريع لمعالجة الأزمة وتمكين المواطنين من الحصول على شقق سكنية بأسعار مناسبة ومعقولة إلى سوق عقارية للثراء الفاحش والحصول على الأرباح الضخمة، من خلال بيعها بأسعار خيالية تفوق قدرة المواطن العادي بعشرات أضعاف المرات، فضلاً عن وجود شبهات للفساد تحيط بعقود إقامة تلك المشاريع، حيث إنه بالإمكان بناء مجمعات سكنية للبيع وللإيجار وفق ضوابط صارمة، وبأسعار معقولة تتناسب مع دخول المواطنين وبأقل معدل ممكن من الربح، إضافة إلى معالجة غياب قانون موحد لتنظيم التخصيصات العقارية والإعفاءات للمستثمرين، مع تشجيع النظام المصرفي للدخول في مشاريع للتمويل العقاري طويل الأجل وبضمانات حكومية كافية تسمح للقطاع المصرفي بالدخول إلى سوق الإسكان، وسد الحاجة الفعلية منه بنسبة كبيرة مع العمل على إصدار سندات وطنية للإسكان بفوائد تصل إلى حوالي 7 بالمئة، لتشجيع المواطنين على توفير تمويل كافي لسوق العقارات، ويسمح بتغطية نسبة واسعة من كلف تشييد الوحدات السكنية الجديدة ضمن جهد تشاركي فاعل بين المواطن والدولة.




